قراءة في المبادرة الملكية لجعل افريقيا موحدة

إعداد : مهدي العاشري *

  • رؤية جلالة الملك محمد السادس طموحة وغير مسبوقة في إفريقيا، حيث تسجل قطيعة حاسمة مع معادلات ونماذج التعاون التقليدية، تدشن لشراكة مبنية على تنمية مشتركة ذات قيمة مضافة، أساسها خلق ثروات يتقاسمها الجميع.

رؤية جلالة الملك من أجل التنمية المشتركة، والتي تتسم بالقصد والتصميم، فهي نابعة من التزام جلالته الراسخ بتعزيز وتطوير التعاون جنوب-جنوب ومن عزم المغرب على جعل القارة التي ينتمي إليها ومواردها البشرية في صلب اهتمامات العالم الجيوسياسية.

وبينما يمر النظام العالمي من مرحلة إعادة تشكيل، لازالت قارتنا في مواجهة مستمرة مع تهديدات أمنية متنامية وتحديات متشابكة وعابرة للحدود والأقاليم، تزيد تعقيدا يوما بعد يوم، من إرهاب وتطرف ديني وجريمة منظمة وتهريب بكل أنواعه واتجار في البشر، خاصة في منطقة الساحل والصحراء.

ومن أجل ضمان العيش الكريم لمواطنيها، بات على بلدانا، كل على حدة، أن ترفع التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي والتدبير الأفضل للموارد الطبيعية والتصنيع الذكي الذي يحافظ على البيئة. وهي كلها تهديدات قد تؤثر على مسار تحقيق أهداف التنمية الضرورية وتحول دون بروز إفريقيا مستقرة ومزدهرة.

بيد أن إفريقيا هي قارة المستقبل دون منازع، بفضل قواها الحية ومواردها البشرية والطبيعية. كما أنها تزخر بهوامش هامة للتنمية المستدامة، بالنظر لحاجياتها المتعددة. فهي اليوم القارة التي تتوفر على أكبر مخزون من الطاقات وعلى رصيد متعدد الأبعاد يجب تثمينه واستغلاله في سبيل تحقيق التنمية البشرية المستدامة لشعوبها.

وبعبارة أخرى، فإن قارتنا توجد اليوم في مرحلة فاصلة من تاريخها، تتطلب وضع استراتيجيات تشاورية وتعبئة إمكانات جماعية وتطوير آليات مبتكرة، من أجل مواصلة مسيرتها الحثيثة نحو التقدم، معتمدة في ذلك على قدراتها الخاصة.

-أسس الرؤية الملكية من أجل التنمية المشتركة

من هذا المنطلق، جاء البعد الذي أعطاه جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، منذ اعتلائه عرش أسلافه المنعمين، للرؤية الإفريقية للمملكة، والتي ترتكز على مفهومي التنمية المشتركة والتنمية البشرية المستدامة.

فمنذ توليه زمام الأمور، أعطى جلالة الملك محمد السادس للشراكة مع إفريقيا بعدا استراتيجيا جديدا، يعتمد على حوار سياسي معمق وتعاون متعدد الأشكال، يجد دعامته في قيمنا المشتركة.

وفي هذا السياق، يعد الخطاب الذي ألقاه جلالته في أبيدجان سنة 2014، خطابا مرجعيا. فالمغرب اليوم بصدد التأسيس لتنمية مشتركة تتحرر من كل القيود والشروط التي ما فتئت تطبع العلاقات بين الشمال والجنوب.

فرؤية جلالة الملك محمد السادس طموحة وغير مسبوقة في إفريقيا، حيث تسجل قطيعة تاريخية وحاسمة مع معادلات ونماذج التعاون التقليدية، قطيعة تدشن لشراكة مبنية على تنمية مشتركة ذات قيمة مضافة، أساسها خلق ثروات يتقاسمها الجميع.

وقد كانت هذه القطيعة واضحة في الرسالة التي وجهها جلالة الملك منذ أيام لرؤساء الدول الإفريقية المجتمعين بمناسبة القمة السابعة والعشرين للاتحاد الإفريقي المنعقدة في العاصمة الرواندية، كيكالي، والتي أعلن فيها جلالته عودة المملكة إلى كنف أسرتها المؤسسية.

وهذه الآفاق الواعدة والإيجابية التي يحملها جلالة الملك لقارتنا تجد ترجمتها في رؤية حقيقية تتمحور حول ثلاثة مرتكزات، ألا وهي تعزيز السلم والأمن وضرورة تحقيق نمو يعود بالنفع على الجميع وواجب التضامن، وذلك بهدف جعل القارة تخرج بصفة نهائية من الدائرة المفرغة التي كانت حبيسة لها.

– تعزيز السلم والأمن

فبالنسبة للمغرب، لا يمكن تحقيق التنمية دون أمن، والعكس صحيح، حيث لا يمكن إرساء الأمن والسلم المستدامين دون تنمية. فالتنمية البشرية في إفريقيا رهينة بتحقيق المبادئ الأساسية التالية:

تعزيز السلم والاستقرار والأمن في كل مناطق القارة

دعم الديمقراطية وتشجيع المسار التشاركي وتطبيق مبادئ الحكامة الجيدة

احترام سيادة الدول ووحدتها الترابية وتماسكها الاجتماعي

وأخيرا، حل النزاعات بالسبل السلمية والتوافقية المبنية على احترام مبادئ حسن الجوار والأخوة.

ومن هذا المنطلق، فإن استقرار المؤسسات الذي ينعم به العديد من الفرقاء الأفارقة، وضمنهم المغرب، يشكل من كل نواحيه ميزة حقيقية وعنصرا أساسيا من شانه دعم دينامية التنمية المشتركة في قارتنا.

وما انخراط المغرب في عدد من عمليات حفظ السلام التي تشرف عليها الأمم المتحدة من أجل دعم استقرار دول إفريقية شقيقة (كوت ديفوار، جمهورية الكونغو الديموقراطية، جمهورية إفريقيا الوسطى…)، أو في وساطات (في منطقة نهر مانو، ومؤخرا في ليبيا وفي مسلسل إعادة إعمار غينيا وفي مالي…) إلا جزءا من هذه الجهود الرامية لتعزيز الأمن في القارة الإفريقية.

وعليه، فإن الشراكة التي تربطنا لابد لها أن تنخرط في إطار التحركات والاستراتيجيات المختلفة التي يتم تبنيها على الصعيد شبه الإقليمي والإقليمي والدولي، من أجل أن تساهم في تحقيق السلم في الفضاء الذي نتقاسمه، في ظل الاحترام التام لسيادة ووحدة بلداننا الوطنية و الترابية، بعيدا عن أي نظرة ضيقة أو قصيرة المدى.

إلا أن الجهود التي تبذل في سبيل تحقيق الاستقرار والأمن ورغم أهميتها في مواجهة التهديدات المستجدة، لابد أن تصاحبها جهود موازية على مستوى تحقيق نمو بعود بالنفع على الجميع.

-ضرورة تحقيق نمو بعود بالنفع على الجميع.

وبغية تحقيق هذا الهدف، لابد من تسريع وتيرة إعادة هيكلة الاقتصادات الإفريقية وتطوير نماذج تعاون مثمر، يعود بالنفع على كل الأطراف، ودعم استقلالية القارة.

مقالات ذات صلة
1 من 63

فالتعاون الذي يربطنا والذي يستمد قوته من الثقة والروابط التاريخية التي تجمعنا، أصبح اليوم يعتمد على النجاعة والمردودية والمصداقية. فإفريقيا الصاعدة لا بد لها من شراكات قادرة على لعب دور تحفيزي، أكثر من حاجتها لمساعدات مشروطة.

وبفضل مبادرات جلالة الملك، بات المغرب يحظى بحضور قوي على الساحة الإفريقية، على المستويين الاقتصادي والتقني. وقد تأكد هذا الحضور على مر السنين بفضل تعزيز تواجد المقاولات المغربية التي أضحت فاعلا ذا مصداقية ومعترف به في خدمة مشروعنا الإفريقي المشترك وخدمة المستفيدين منه.

لقد بلغ مجموع استثمارات المغرب في إفريقيا خلال خمس سنوات الأخيرة ما يعادل 1.7 مليار دولار، حيث بات المغرب ثاني أكبر مستثمر في القارة. وقد همت هذه الاستثمارات قطاعات المصارف والتأمين والبناء والأشغال العمومية والاتصالات والكهربة والصناعة الدوائية والمناجم وطبعا الطيران الجوي، بفضل الخطوط الملكية المغربية، شركة الطيران الرائدة في إفريقيا التي تساهم في تقريب المغرب من شركائه الأفارقة عبر تسيير رحلاتها نحو 33 وجهة إفريقية (والتي تبلغ نسبة أفراد أطقم طائراتها التجارية من جنسيات جنوب الصحراء 10 بالمائة من مجموع العاملين وتتطلع الشركة إلى رفعها إلى 20 بالمائة قريبا).

كما يتطلع المغرب لتمكين القارة من الاستفادة من موقعه الجغرافي المتميز من خلال تحوله إلى مركز اقتصادي ومالي منفتح على إفريقيا، حيث أطلق في هذا الإطار منصة مالية كانت من بين مكوناتها هيئة القطب المالي للدار البيضاء التي تهدف لجذب المستثمرين الأجانب ومساعدتهم على الاستثمار الأمثل في مشاريع اقتصادية ذات بعد اجتماعي واضح في بلدان القارة.

إن ضرورة تحقيق نمو يتقاسمه الجميع، تماشيا مع الرؤية الإفريقية لجلالة الملك محمد السادس، تنبع من قناعتنا بأن تحقيق هذا النمو لا يكتمل إلا إذا كان جماعيا، خاصة وأن قارتنا تتوفر على الموارد اللازمة لتحقيق إقلاعها الاقتصادي والاستجابة لحاجيات شعوبها وتطلعاتهم.

لقد بات على إفريقيا أن تتولى زمام أمورها وأن « تضع ثقتها في إفريقيا »، كما قال جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، وتتجاوز معوقات تنميتها الاقتصادية والاجتماعية وتتمكن من خلق مناصب شغل لشبابها، الذي يعد القوة الحقيقية لنمو القارة.

وفي هذا السياق، أصبح من الضروري أن تنخرط القارة في مسلسل تعزيز الإصلاحات الجارية وعصرنة اقتصاداتها، من أجل بزوغ إفريقيا متحررة من عقدها ومبادرة ومتجددة وقادرة على التكيف مع الأثار المصاحبة لمد العولمة.

ويندرج في هذا الإطار مشروع حماية وتثمين خليج كوكودي، الذي أطلقه جلالة الملك بغلاف مالي بلغ ما يقارب 1.7 مليار درهم. ويعكس هذا المشروع الهيكلي، علاوة على بعده الاجتماعي والاقتصادي والحضري الذي من شأنه أن يطلق دينامية للتقدم والازدهار تعود بالنفع على الجميع، يعكس هذه الرؤية الإفريقية لجلالة الملك التي تحرص على جعل التنمية البشرية المستدامة والتنمية البيئية في صلب نموذج مثالي وذكي لشراكة جنوب-جنوب قوية.

فالرؤية الملكية من أجل التنمية المشتركة ترتكز على هذه القناعة الراسخة، التي تجد ترجمتها في الانخراط الفاعل في جهود محاربة الفقر والفوارق الاجتماعية والاقصاء.

-واجب التضامن

وعلاوة على الحوافز الاقتصادية للنمو، تضع الرؤية الملكية لتعزيز دينامية التنمية المشتركة في صلب اهتماماتها رفاهية وكرامة المواطن، التي تحضر في كل ما يشرف جلالة الملك على إنجازه.

ويتعلق الأمر هنا بتنمية مشتركة متوازنة وعادلة لا تفرق بين المشاريع الكبرى والصغرى، بل تهتم حصرا بأثر هذه المشاريع على التنمية الاجتماعية والبشرية.

فالتجارب متعددة الأبعاد، التي تهم جميع القطاعات والتي خاضتها المملكة في مجال التنمية البشرية مكنت من إرساء أسس دينامية شراكة مغربية-إفريقية فاعلة ميدانيا ومبنية على مشاريع ملموسة.

ومن هذا المنطلق، شكل التكوين، سواء الجامعي أو التقني أو المهني، الموجه لنساء ورجال القارة، أبرز المحاور التي كانت لها نتائج ملموسة، حيث يستقبل المغرب اليوم أكثر من 8000 طالب جامعي داخل مؤسساته التعليمية، ينحدرون من 42 بلدا إفريقيا ويستفيد منهم 6500 طالب من منح دراسية.

وبرز تضامن المغرب كذلك من خلال أشكال أخرى من التعاون المبنية على المكتسبات التاريخية، ومنها الروابط الحضارية والروحية العريقة، كانت من تجلياتها الأهمية الخاصة التي يوليها المغرب لتأهيل المرشدات والمرشدين الدينيين، من خلال مؤسسة محمد السادس لتكوين الأئمة الأفارقة، والتي وضعت برامج للتكوين الديني تهدف لتلقين مبادئ الوسطية وتحصين قارتنا، وخاصة شبابها، ضد نزوعات التطرف والانطوائية.

وتركز الرؤية الملكية أيضا على التنمية المشتركة المستدامة ذات البعد البيئي. فإدراكا منه لآثار التغيرات المناخية المدمرة على البيئة والتنمية والأوضاع الاجتماعية للسكان، حرص المغرب على إيلاء الأهمية اللازمة للعوامل البيئية (الطاقات المتجددة، احترام البيئة…) والقضايا المرتبطة بالأمن الغذائي.

فقد أضحى اليوم من الضروري الحرص على إطلاق مشاريع ملائمة وتمويلات خضراء لمساعدة البلدان الإفريقية على تحسين إنتاجيتها الفلاحية وجعل اقتصاداتها قادرة على مواجهة التحديات المناخية.

وانطلاقا من ارتباط التنمية الوثيق بالأمن، فإن المغرب على اقتناع بأن التهديدات المتعددة والمختلفة التي تواجهها قارتنا لا يمكن لدولة بمفردها ولا لمنطقة بمفردها التصدي لها.

فمحاربة التهديدات التي باتت تحكم قبضتها على المنطقة لا يمكن أن تأتي أكلها إلا إذا انخرطت في إطار تحرك جماعي وشامل، يمر عبر دعم آليات التعاون بين المناطق والتجمعات الإقليمية، على غرار الشراكة الاستراتيجية التي تربط المغرب بمجلس التعاون لدول الخليج العربية، سواء على مستوى التشاور السياسي أوالاندماج الاقتصادي والتجاري، وكذلك عبر التشبث بقيم التضامن والعمل على حل أزمات المنطقة.

وعلاوة على تشجيع الاندماج شبه الاقليمي بقارتنا، يواصل المغرب تحركه الموازي لتنويع شراكاته الدولية، خاصة مع الاتحاد الأوروبي وأعضائه. وفي هذا السياق، يشكل الوضع المتقدم الذي يحظى به المغرب لدى الاتحاد الأوروبي، رغم أنه ليس هدفا في حد ذاته، يشكل مسارا يسمح بفتح آفاق أرحب لعقد شراكات أوسع بين دول الشمال والجنوب، في وقت يجد هذا الاتحاد نفسه في خضم أزمة وجودية قد تدفعه لإعادة النظر في علاقاته مع جواره.

وعليه فقد بات من الضروري إعطاء الجوار المتوسطي المكانة المحورية التي كان يحظى بها في العلاقات بين الشمال والجنوب. غير أن تحقيق هذا الهدف، في رأيي، يتطلب إعادة توجيه استراتيجيات التنمية نحو بلدان الجنوب، في إطار مقاربة جديدة تضم الفضاء الأوروبي والمتوسطي والإفريقي. فالتحديات الحقيقية، شأنها شأن الفرص المتاحة للاتحاد الأوروبي، تمر عبر الفضاء الإفريقي.

وأغتنم هذه المناسبة لأوجه نداء لشركائنا الأوروبيين لأحثهم على إعادة النظر في استراتيجيتهم تجاه إفريقيا وعلى الاستثمار بشكل أكبر في تنمية القارة. فنحن في حاجة لشراكة أقوى وأكثر توازنا مع الاتحاد الأوروبي، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، تعتمد على وسائل مبتكرة ومقاربات أكثر طموحا من أجل دعم السلم والأمن في قارتنا.

عليكم أن تعلموا أن زمن التبعية والانتظار والجمود قد ولى، وبأن إفريقيا تسير اليوم بكل تؤدة نحو مستقبل كله ثقة وأمان، بينما تتطلع بلدانها بكل عزم وحزم نحو المستقبل، وتنخرط تماما في مسيرة تحقيق التنمية المشتركة والتقدم الذي يعود بالنفع على الجميع. وهذه المقاربة الخاصة بالقارة هي القمينة بضمان استمرارية جهودنا الجماعية ودعم استثمارنا المشترك من أجل مستقبل يسوده السلم والاستقرار والرخاء.

وفي الختام، أؤكد لكم أن المغرب يثق في مستقبل قارته وفي قدرتها على اللحاق بركب المناطق الصاعدة، بعدما اختار طوعا أن يراهن على هذه القارة الحية. وبفضل جذوره الضاربة في التاريخ وبفضل قيم الانفتاح والتسامح والحوار التي تجعل منه نموذجا متفردا، بمكننا أن نؤكد أن بلدنا، المغرب، أصبح اليوم في وضع يمكنه من أن يشكل حلقة وصل بين أوروبا والمتوسط وإفريقيا، وحتى مناطق أخرى من العالم. وبموازاة مع خيار الانفتاح الذي لا محيد عنه، يظل المغرب متشبثا بهويته الخاصة والمتوافقة تماما مع قيمه الثقافية والروحية.

المدير العام لوكالة D-EV&CO

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.